*السياديون المزيَّفون في لبنان*
*بقلم علي خيرالله شريف*
عندما كان غازي كنعان يحكم لبنان، كنا نرى الأكثرية الساحقة من الزعماء اللبنانيين المتعنترين اليوم على الشاشات والمنابر، ومنهم آباء وأمهات أطفال مجلس النواب الحاليين، يقفون بالصف في عنجر عند باب غازي كنعان يستجدونه الرضا والعطف والحنان ، وكانوا يصطحبون معهم نساءهم كي يدغدغوا مشاعر المندوب السامي السوري آنذاك، ويسترضوا خاطره ليرضى عليهم.
عام ٢٠٠٥ بعد أن أنذرت أميركا سوريا لتخرج من لبنان، انقلبوا جميعاً على سوريا وراحوا يتبجحون ويهددون ويَتَوَعَّدون، وهم أصلاً أضعف من أن يُنَفِّذوا تهديداتِهِم، وَعِندَما انسحَبَ السوريون، توهموا أنهم هم الذين أخرجوهم وراحوا يُطَبِّلون لِكِذبَتِهِم، وأسموا همروجَتَهُم "ثورة الأرز". وبعد ١٩ سنة صار عندهم جَيلٌ من المراهقين المخدوعين بأكاذيبهم وانتفاخات صدورهم، إلى درجة أنهم يتفاخرون بأمجادٍ لم يحققوها.
وبعد أن رأينا ركاكتهم، وصدَّعوا آذاننا بشتائمهم وتحريضهم على الم_قا_ومة في لبنان على مدى سنواتٍ طويلة منذ العام ٢٠٠٠، خرجوا مرةً أخرى بإمرة السفراء والغرباء ليتابعوا بَخَّ سُمومِهِم وأَحقادِهِم، حتى وصل بهم الأمر العام ٢٠٠٦ لأن يبحثوا في أي زنزانة سيضعون السيد حسن نصرالله، ولكنهم باؤوا بالخيبة والخسران، وتابعوا غِيَّهُم وَمكرَهُم وتسخيفهم للتحرير وللانتصار. وكانت الـ-قا-ومة تقابلهم بالتواضع والتسامُح. وفي عام 2019 عمدوا إلى المتاجرة بأوجاع الناس فيما سُمِّيَ بثورة ١٧ تشرين، واجتروا شتائمهم وتحريضهم وافتعالهم للفتن الداخلية.
ولكي لا نُطيل عليكم نذكر العدوان الحالي على لبنان في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠٢٤ والذي لم ينتهِ بعد. رأيناهم يعملون مخبرين للعدو عبر كل ما أوتوا من وسائل، ويتواصلون مع ممثليه علناً في ظل الحكومة المستقيلة من محاسبة الخونة. واشتدَّت غريزَتُهُم في الشتم والتحريض، بالتنسيق مع السفارة الأميركية والمبعوثين متعددي الجنسية، إلى أن سقط النظام السوري وسيطرت المعارضة المسلحة على أرض سوريا. هنا رأينا العجب العجاب في الوقاحة.
رأينا سمير جعجع يتكلَّم وكأنه حكيم الثورة السورية ومرشدها والمنتصر فيها. راح يطلق التهديدات والشعارات التي تستدر التصفيق والتصفير والهتاف من أنصاره، ويُنَظِّر للمرحلة المقبلة للبنان متوعدا بمحاسبة كل من دافع عن لبنان والمنطقة، وكأنه يُمسِكُ بنواصي الأمور، مع العلم أنه في تاريخه لم يتوقع شيئاً إلا وحصل عكسُه. ومع العلم أنه في السابق ما انتصرت الم_قا_ومة إلا وأهدت انتصارها لكل اللبنانيين حتى الخونة منهم.
ثم انبرى الطفل المعجزة سامي الجميل يتباهى كالطاووس، ويتغربل ويتمايل على المنبر، ثم ينفخ صدره وعروق رقبته كالعادة، وكأنه فارس الميدان وقاهر الجيوش ومحقق الانتصارات. يطلق الشعارات، ويرفع صوته دون أن يستطيع جعله جهورياً كغيره من الرجال، ويعلن فرماناتِهِ الخاصة أن لبنان سيعود كما كان أيام جده وأبيه وعمه وبنيه، تابعاً غير متبوع، وواهناً لا يلوي إلا على التملق والاستجداء.
جعجع وآل الجميل، وصبية البرلمان ومقدمو الضيافة عام ٢٠٠٦ والسارقون والمارقون والزاحفون، وفلان وعلان وفليتان، من الطُفَليِّين وكل الأبواق الرديفة والحليفة، يتصرَّفون وكأنهم هم الذين دَرَّبوا أبو محمد الجولاني، وَمَوَّلُوه وَأَرسَلُوه لكي يُسقِط النظام بإمرتهم السديدة وتوجيهاتهم الرشيدة وعنترياتهم العديدة.
إنهم ينظرون بعينٍ عوراء لا يرون منها إلا ح. الله. ولكنَّهُم لا يرون العدو في جبل الشيخ، ولا يرون انتهاكاته للقرار 1701 التي بلغت أكثر من سبعين مرة منذ اتفاق وقف النار لغاية اليوم. كُلُّ ذلك يُضافُ إلى سِجِلِّهِم الحافل بتلقي جداول أعمالهم من السفراء والأمراء. ثم يُسمُّون أداءهم سيادة وحرية واستقلال.
أن يتبجح هذا الصبي المُخَنَّث أو ذاك الميليشياوي الزقاقي، بطريقةً وقحة حاقدة على المنبر، شامتاً بابن بلده، مفتخراً بضرب العدو له، فهذا منتهى العقلية الخيانية التدميرية.
هكذا هو تاريخهم، يحتفلون بانتصار العدو على بلدهم ثم ينسبونه لأنفسهم.
طبعاً هم لم ينتصروا في تاريخهم، لذلك هم يركبون في قطار انتصار العدو، ولكنهم بذلك يستعجلون ويسيئون التقدير، لأن الذين دفعوا الغالي والنفيس من أجل الوطن سيبقون دائماً على حق، ومن كان على حق لا يمكن أن يُهزم.
من ناحية ثانية، يجب أن يعرف اللبنانيون بمختلف أطيافهم، أن الذي يتشفى بمصاب أبناء بلده ويستقوي بالعدو عليهم ويشمت بهم، ويطلب من ذلك العدو أن يُمعِنَ في ضربهم، لا يصلح أن يكون زعيماً ولا رئيساً ولا وزيراً ولا حتى عضواً في بلدية أو في لجنة بناية، وإذا تمت توليته على شيء، فلن يكون مصير هذا الشيء إلا الخراب كما يخربون لبنان بسلوكهم المشين.
*الأربعاء ١١ كانون الأول ٢٠٢٤*


